الشنقيطي

109

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حنيفة - رحمه اللّه - الجمهور وقال : لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم ، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم ، فإذا بلغ الهدي محله حل ، وقال : إن الموضع الذي نحر فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم ، واستدل بقوله بعد هذه الآية : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ البقرة : 196 ] ، ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في الحل ، وأن القرآن دل على ذلك ، وأن قوله : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ [ البقرة : 196 ] الآية ، معطوف على قوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة : 196 ] لا على قوله : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] ، أو أن المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه ، وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر ، ولو كان في الحل . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله ، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم ، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل . قال البخاري في صحيحه في « باب من قال ليس على المحصر بدل » ما نصه : وقال روح عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، رضي اللّه عنهما : إنّما البدل على من نقض حجّه بالتّلذّذ ، فأمّا من حبسه عذر أو غير ذلك فإنّه يحلّ ولا يرجع « 1 » . وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به ، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتّى يبلغ الهدي محلّه اه محل الغرض منه بلفظه ، ولا ينبغي العدول عنه ، لظهور وجهه كما ترى . الفرع الثاني : إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي ، أو له أن يحل بدون هدي ؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه لقوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] ، فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه ، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك ، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسألة ، فقالا : لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار . وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] ، فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه ، يدل على

--> ( 1 ) كتاب الحج ، باب من قال ليس على المحصر بدل .